ابن أبي الحديد
30
شرح نهج البلاغة
من قريش ، فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد ، فيكثروا فيها الفساد ، فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك ، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه ، كيف لم يخف من جعلهم ستة متساوين في الشورى ، مرشحين للخلافة ! وهل شئ أقرب إلى الفساد من هذا ! وقد روى أن الرشيد رأى يوما محمدا وعبد الله ابنيه يلعبان ويضحكان ، فسر بذلك ، فلما غابا عن عينه بكى ، فقال له الفضل بن الربيع : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ، وهذا مقام جذل لا مقام حزن ؟ فقال : أما رأيت لعبهما ومودة بينهما ؟ أما والله ليتبدلن ذلك بغضا وشنفا ( 1 ) ، وليختلسن كل واحد منهما نفس صاحبه عن قريب ، فإن الملك عقيم ، وكان الرشيد قد عقد الامر لهما على ترتيب ، هذا بعد هذا ، فكيف من لم يرتبوا في الخلافة ، بل جعلوا فيها كأسنان المشط ! فقلت أنا لجعفر : هذا كله تحكيه عن محمد بن سليمان ، فما تقول أنت ؟ فقال : إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام ( 2 )
--> ( 1 ) الشنف : الكره . ( 2 ) قبله : فلولا المزعجات من الليالي * لما ترك القطا طيب المنام نسبهما صاحب اللسان ( في رقش ) للجيم بن صعب .